الشوكاني
43
فتح القدير
النوع العظيم من أنواع الفساد ، ولو لم يكن من ذلك إلا ردهم لبضاعتهم التي وجدوها في رحالهم ، والمراد بالأرض هنا أرض مصر ، ثم أكدوا هذه الجملة التي أقسموا بالله عليها بقولهم ( وما كنا سارقين ) لزيادة التبري مما قرفوهم به والتنزه عن هذه النقيصة الخسيسة والرذيلة الشنعاء ( قالوا فما جزاؤه إن كنتم كاذبين ) هذه الجملة مستأنفة كما تقدم غير مرة في نظائرها . والقائلون هم أصحاب يوسف ، أو المنادى منهم وحده كما مر ، والضمير في جزاؤه للصواع على حذف مضاف : أي فما جزاء سرقة الصواع عندكم ، أو الضمير للسارق ، أي فما جزاء سارق الصواع عندكم ( إن كنتم كاذبين ) فيما تدعونه لأنفسكم من البراءة عن السرقة ، وذلك بأن يوجد الصواع معكم ، فأجاب أخوة يوسف و ( قالوا جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه ) أي جزاء سرقة الصواع أو جزاء سارق الصواع وجزاؤه مبتدأ ، والجملة الشرطية : وهى من وجد في رحله فهو جزاؤه خبر المبتدأ على إقامة الظاهر مقام المضمر فيها ، والأصل جزاؤه من وجد في رحله فهو ، فيكون الضمير الثاني عائد إلى المبتدأ ، والأول إلى من ، ويجوز أن يكون خبر المبتدأ من وجد في رحله ، والتقدير : جزاء السرقة للصواع أخذ من وجد في رحله ، وتكون جملة فهو جزاؤه لتأكيد الجملة الأولى وتقريرها ، قال الزجاج : وقوله ( فهو جزاؤه ) زيادة في البيان : أي جزاؤه أخذ السارق فهو جزاؤه لا غير . قال المفسرون : وكان حكم السارق في آل يعقوب أن يسترق سنة فلذلك استفتوهم في جزائه ( كذلك نجزى الظالمين ) أي مثل ذلك الجزاء الكامل نجزي الظالمين لغيرهم من الناس بسرقة أمتعتهم ، وهذه الجملة مؤكدة لما قبلها إذا كانت من كلام إخوة يوسف ، ويجوز أن تكون من كلام أصحاب يوسف : أي كذلك نحن نجزي الظالمين بالسرق . ثم لما ذكروا جزاء السارق أرادوا أن يفتشوا أمتعتهم حتى يتبين الأمر ، فأقبل يوسف على ذلك ( فبدأ ) تفتيش ( أوعيتهم ) أي أوعية الإخوة العشرة ( قبل وعاء أخيه ) أي قبل تفتيشه لوعاء أخيه بنيامين دفعا للتهمة ورفعا لما دبره من الحيلة ( ثم استخرجها ) أي السقاية أو الصواع ، لأنه يذكر ويؤنث ( كذلك كدنا ليوسف ) أي مثل ذلك الكيد العجيب كدنا ليوسف : يعني علمناه إياه وأوحيناه إليه . والكيد مبدؤه السعي في الحيلة والخديعة ، ونهايته إلقاء المخدوع من حيث لا يشعر في أمر مكروه لا سبيل إلى دفعه ، وهو محمول في حق الله سبحانه على النهاية لا على البداية . قال القتيبي : معنى كدنا دبرنا . وقال ابن الأنباري : أردنا . وفي الآية دليل على جواز التوصل إلى الأغراض الصحيحة بما صورته صورة الحيلة والمكيدة إذا لم يخالف ذلك شرعا ثابتا ( ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك ) أي ما كان يوسف ليأخذ أخاه بنيامين في دين الملك : أي ملك مصر ، وفي شريعته التي كان عليها ، بل كان دينه وقضاؤه أن يضرب السارق ويغرم ضعف ما سرقه دون الاستعباد سنة كما هو دين يعقوب وشريعته . وحاصله أن يوسف ما كان يتمكن من إجراء حكم يعقوب على أخيه مع كونه مخالفا لدين الملك وشريعته لولا ما كاد الله له ودبره وأراده حتى وجد السبيل إليه : وهو ما أجراه على ألسن إخوته من قولهم : إن جزاء السارق الاسترقاق . فكان قولهم هذا هو بمشيئة الله وتدبيره . وهو معنى قوله ( إلا أن يشاء الله ) أي إلا حال مشيئته وإذنه بذلك وإرادته له . وهذه الجملة : أعني ما كان ليأخذ أخاه الخ تعليل لما صنعه الله من الكيد ليوسف أو تفسير له ( نرفع درجات من نشاء ) بضروب العلوم والمعارف والعطايا والكرامات كما رفعنا درجة يوسف بذلك ( وفوق كل ذي علم ) ممن رفعه الله بالعلم ( عليم ) أرفع رتبة منهم وأعلى درجة لا يبلغون مداه ولا يرتقون شأوه . وقيل معنى ذلك : أن فوق كل أهل العلم عليم وهو الله سبحانه وقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ( وقال يا بنى لا تدخلوا من باب واحد ) قال : رهب يعقوب عليهم العين . وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر عن محمد بن كعب قال : خشي عليهم العين . وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وأبو الشيخ عن النخعي في قوله ( وادخلوا من أبواب متفرقة ) قال :